الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
355
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ثالثها أنه مع إرادة الجنس من المعرف هل يكون الحال كالمفرد المعرف إذا أريد به الجنس فيعم الواحد والاثنين والثلاثة وما فوقها لانسلاخه حينئذ عن الجمعية أو أنه يعتبر فيه كون الجنس هنا في ضمن الجماعة فلو قال علي أن أتزوج بالأبكار أو أن أركب الأفراس أو أن أشتري الجواري حصل البرء بالإتيان بما دون الثلاث على الأول بخلاف الثاني إذ لا يحصل الوفاء حينئذ إلا بالإتيان بما فوق الاثنين وجهان وذكر بعض الأفاضل وجهين في إرادة الجنس من الجمع المعرف أحدهما أن يراد به جنس الجماعة ليكون الجنسية ملحوظة بالنسبة إلى مفهوم الجماعة فإنه أيضا من جملة الأجناس ثانيهما أن يراد به مطلق الجنس فيسقط عنه اعتبار الجمعية ويبقى إرادة الجنس فحينئذ يجوز إرادة الواحد منه أيضا قال لكنه مجاز لأن انسلاخ معنى الجمعية لا يوجب كون اللفظ حقيقة في المفرد على أن انسلاخ الجمعية لا يوجب انسلاخ العموم فعلى القول بكونه حقيقة في العموم كما هو المشهور يكون حينئذ مجازا نعم يمكن أن يقال إنه بعد هذا التجوز بإرادة الجنس لا يكون إرادة الواحد مجازا بالنسبة إلى هذا المعنى المجازي وأنت قد عرفت وهن الوجه الأول وكذا الثاني فإنه الوجه الثالث من الوجوه المتقدمة لتصوير إرادة الجنس في المقام وهو في غاية البعد فإن إسقاط معنى الجمعية وإرادة نفس الطبيعة من اللفظ مع كونه مجازا كما اعترف به بعيد عن ظاهر الاستعمالات وقد عرفت أن الظاهر في حمله على الجنس هو ما مرت الإشارة إليه وحينئذ فيكون التعدد ملحوظا في معناه على ما هو مقتضى الجمعية غاية الأمر أن يكون تعريف الأفراد الملحوظة فيه من حيث اتحادها مع الطبيعة حسبما مر بيانه فلا يجوز في المقام ولا يحصل الامتثال حينئذ إلا بالإتيان به كذلك ولذا لو أوصى شيئا للفقراء والسادات وغيرهم من غير المحصور حيث لا يمكن إرادة العموم منها ويتعين حملها على الجنس لم يجز الدفع إلى ما دون الثلاثة كما نصوا عليه وكذا الحال في النذور والأيمان وغيرها نعم لو قامت القرينة على قطع النظر عن ملاحظة الجمعية وإنما أريد حصول الفعل من ذلك الجنس وإنما لوحظ فيه خصوص الجنسية دون غيرها اكتفي بالواحد وحينئذ فإما أن يكون ذلك بتخصيص الجمع لمطلق الجمع الجنس أو بإسناد الفعل المتعلق بالبعض إلى الجماعة على نحو بنو فلان قتلوا فلانا وكلا من الوجهين مجاز بعيد غالبا عن ظاهر الاستعمالات كما لا يخفى رابعها أن ظاهر ما يتراءى من دلالة الجمع المعرف على العموم أن يكون متعلقا للنفي أو النهي قاضيا بإفادة سلب العموم أي دفعا للإيجاب الكلي الحاصل بالسلب الجزئي على حد النفي الوارد على حد النفي الوارد على سائر العمومات نحو قوله ما كل ما يتمنى المرء يدركه وما كل برق لاح لي تستقرني إلى غير ذلك لكن لا يساعده في المقام كثير من الإطلاقات فإن الظاهر هو السلب الكلي ويمكن توجيهه بأن النفي أو النهي قد يرد على كل من الجزئيات الجمع ليكون كل منهما مناطا للنفي أو النهي وقد يرد ذلك على العموم المستفاد منه سواء كان العموم الملحوظ فيه مجموعيّا أو أفراديا وتوضيح المقام أن العموم الملحوظ في الجمع إما أن يكون مجموعيّا أو أفراديا فعلى الأول يكون مفاده في المقام سلب الكلي الحاصل برفع بعضه وعلى الثاني فإما أن يكون السلب واردا على العموم أو على كل واحد من جزئيات العام فعلى الأول يكون مفاده رفع السلب الكلي أيضا على نحو قولك ما تزوجت بكل بكر في هذه البلدة وما زدت كل واحد من علمائنا وعلى الثاني يكون مفاده سلبا كليا والظاهر من هذين الوجهين في المقام هو الثاني وإن كان الظاهر من ورود النفي على لفظة كل وما بمعناه هو الأول بيان ذلك أنه ليس في المقام ما يفيد المفهوم من لفظة كل وما بمعناه وإنما مفاد الجمع هو خصوص الجزئيات المندرجة تحته فالاستغراق من أحواله وصفاته من غير أن يكون هناك ما يفيد معنى الشمول ليرد النفي عليه كما هو الحال في النفي الوارد على كل وما يفيد مفاده فإذا تعلق حكم بالجمع على الوجه المفروض فقد تعلق بكل واحد من جزئياته سواء كان ذلك الحكم نفيا أو إثباتا فكما يكون تعلق الحكم المثبت به حكم على كل من تلك الجزئيات فكذا الحال في النفي نعم لو لوحظ شموله للجمع نظرا إلى اندراج جميع الآحاد في مدلوله وعلق النفي عليه صح ما ذكر من دلالته على سلب العموم إلا أنه اعتبار زائد لا يساعد عليه ظاهر الإطلاق ليتوقف على قيام شاهد عليه وحينئذ فإن كان في المقام ما يستظهر منه كون المقصود من الجمع عموم الآحاد تعين كون المراد منه عموم السلب إلا أن يقوم دليل على خلافه وإن ظهر كون المراد منه العموم المجموعي دل على سلب العموم وإن دار الأمر بين الوجهين من غير ظهور ترجيح لأحد الجانبين تعين الرجوع إلى أصول الفقاهة حسبما بيناه في وقوعه في سياق الإثبات والقدر المفهوم من اللفظ حينئذ هو السلب الجزئي وما يزيد عليه فغير مفهوم من اللفظ بل يتوقف على قيام شاهد عليه المقام الرابع في بيان الحال في المفرد المعرف وقد عرفت وقوع الخلاف في إفادته العموم وظاهر ما يتراءى من كلماتهم وصريح المصنف فيما يأتي كون الخلاف في وضعه لخصوص العموم على أن يكون استعماله في غيره مجازا فلا يكون موضوعا لما عدا العموم ولا مشتركا بين العموم وغيره وأنت خبير بوهن ذلك جدا كيف واستعماله في العهد مما لا مجال لإنكار كونه على وجه الحقيقة بل هو أظهر من إرادة الجنس والعموم قطعا ولذا ينصرف إليه عند وجود المعهود وقد قيدوا إفادة الجمع المحلى للعموم بما إذا لم يكن هناك عهد فيكون الحال كذلك في المفرد بطريق أولى والذي يخطر بالبال في المقام أن الخلاف هنا نظير الخلاف في الجمع المحلى في تقديم تعريفه للأفراد على تعريف الجنس بعد انسداده طريق العهد فالمراد أنه إذا لم يكن هناك عهد هل ينصرف المفرد المحلى باللام مع الإطلاق إلى تعريف الأفراد ليفيد العموم كما في الجمع المعرف أو إنما ينصرف حينئذ إلى تعريف الجنس فلا يفيد العموم والقول بوضعه بخصوص العموم على أن يكون هناك وضع متعلق بالهيئة التركيبية مغايرة لوضع اللام ومدخوله قاض بإفادة الاستغراق إذ القول بكون اللام سورا بمنزلة كل ليفيد الاستغراق من أبعد الأوهام وحمل الخلاف الواقع بينهم على إرادة ذلك مع وضوح فساده من دون قيام شاهد في كلماتهم على إرادته في المقام بعيد جدا وغاية ما يستفاد من كلام القائل بكونه للعموم استفادة العموم منه عند الإطلاق وانتفاء العهد وهو لا يأبى الحمل على ما قررناه غاية الأمر أن يلحظ إطلاق على الوجه الأعم فلا حاجة إلى حمله على ذلك الوجه الفاسد فكيف كان فلهم في المسألة أقوال عديدة أحدها ما ذهب إليه غير واحد من المتأخرين من كونه حقيقة في تعريف الجنس في مقابلة العهد والاستغراق مجازا في غيره ثانيها أنه حقيقة في العموم مجاز